الخميس، 23 أكتوبر 2025

حين يختارنا الترتيب قبل أن نختار قلوبنا بقلم: د. نادية الخالدي 🌙

حين يختارنا الترتيب قبل أن نختار قلوبنا

بقلم: د. نادية الخالدي 🌙

هل يمكن أن يكون ترتيبك بين إخوتك هو السبب الخفي وراء طريقتك في الحب، ونظرتك للعلاقات، وحتى فيمن تختاره شريكًا لحياتك؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في علم النفس يفتح بابًا واسعًا نحو فهم الذات. فالأسرة هي أول مختبر عاطفي نعيش فيه، ومن موقعنا بين إخوتنا نتعلم أولى دروس الوجود: كيف نحصل على الاهتمام، وكيف نُحب، وكيف نحافظ على مكاننا في دائرة الحب. الترتيب الولادي، كما فسّره ألفرد أدلر، ليس مجرد رقم عائلي بل تجربة شعورية تُشكِّل الشخصية وتوجّه السلوك والاختيارات.

الطفل الأكبر هو التجربة الأولى لوالديه، يأتي محمّلًا بالتوقعات، محاطًا بالاهتمام في البداية، ثم محروماً من بعضه حين يأتي من بعده. يتعلّم باكرًا معنى المسؤولية والسيطرة على انفعالاته، ويكبر وهو يخلط بين القوة والقبول، بين الأداء والحب. في علاقاته العاطفية يميل لأن يكون الطرف الذي يتحمل أكثر، ويشعر بالحب حين يُحتاج إليه. هو القائد، لكنه أيضًا أكثر من يخشى الفشل، وأكثر من يُخفي ضعفه. كأن الابنة الكبرى التي كانت دائمًا “العاقلة” تجد نفسها زوجة وأمًّا في الوقت نفسه، تعطي دون أن تطلب لأن دورها القديم لم ينتهِ بعد.

أما الطفل الثاني، فيولد ليجد أن البطولة قد سبقته، فيسعى جاهدًا لخلق مساحة تخصه. ينشأ بروحٍ تنافسية وسعيٍ دائم للتميّز، فهو لا يريد أن يكون ظلًا لأحد. في الحب، يبحث عن شريكٍ يراه كما هو، لا كمقارنة مع غيره. يتعب من المقاييس والمقارنات، ويشعر بالراحة مع من يمنحه القبول لا التقييم. ربما يبدو مندفعًا في علاقاته، لكنه في العمق يبحث عن طمأنينة خالية من المنافسة، كمن يسعى أخيرًا لأن يهدأ من سباقٍ بدأه منذ ولادته.

الطفل الأوسط يعيش في المنتصف بين ضوء الكبير ودلال الصغير، فيتعلم الموازنة والتنازل ليحافظ على انسجام العائلة. هو الوسيط الهادئ الذي يرضي الجميع ليبقى موجودًا. يكبر وفي داخله رغبة دفينة أن يُرى وأن يُقدّر. في الزواج، ينجذب إلى من يمنحه الضوء الذي فاته، إلى علاقةٍ يشعر فيها أن وجوده واضح وصوته مسموع. إنه الأكثر تفهمًا عادةً، لكنه أيضًا الأكثر حساسية تجاه الإهمال. رجلٌ أوسط أحبّ امرأة قوية الحضور، لأنها جعلته مرئيًا بعد صمتٍ طويل، لكنه اكتشف لاحقًا أنه ما زال يخاف أن يختفي.

الطفل الأصغر هو الحكاية الملوّنة للعائلة. يولد في بيتٍ مليء بالتجارب، فيُمنح الدلال والرعاية، ويعتاد أن تُزال أمامه العقبات. يكبر بعفوية جميلة، يميل إلى الحرية، ويبحث عن العلاقات التي تمنحه الحنان لا السيطرة. في الحب، يحتاج إلى مساحة ليكون طفلاً أحيانًا، لكنه يهرب حين يشعر أن الالتزام يُخنقه. فتاةٌ هي الأصغر بين إخوتها قالت بعد زواجها من رجلٍ صارم: “أشعر أني عدت طفلة في بيت أبي لا زوجة في بيت حبٍّ جديد.”

أما الطفل الخامس أو الأخير في عائلةٍ كبيرة، فيجد أن كل الأدوار قد شُغلت قبله، فيلجأ إلى التفرّد ليتميّز. يبتكر، ويتفنن، ويحلم. هو المبدع، المتمرّد، والعاطفي إلى حدّ المبالغة. يحتاج أن يُشعر نفسه بأنه مختلف ليحصل على الاعتراف. في علاقاته يميل إلى الرومانسية المفرطة، لكنه قد يهرب من الواقع حين يصطدم به، لأنه نشأ على فكرة أن الحب شعور يُكسب بالإبداع والتميّز. فتاة خامسة بين إخوتها الخمسة اختارت رجلًا بسيطًا لأنها أرادت لأول مرة أن تكون عادية، لا “المميزة”.

هذه الأنماط لا تُصنع صدفة، بل تولد من الديناميات الخفية داخل كل بيت. كل طفل يطوّر أسلوبًا ليبقى محبوبًا: الأكبر عبر المسؤولية، الثاني عبر التحدي، الأوسط عبر المرونة، الأصغر عبر الجاذبية، والخامس عبر الاختلاف. وحين نكبر نحمل هذه الطرق معنا، نكررها في صداقاتنا، في العمل، وفي الزواج. نحن نحب كما تعلمنا أن نُحب، ونسعى لأن نحصل من الشريك على ما لم نحصل عليه من البيت الأول.

لكن الوعي هو ما يحررنا من التكرار. حين يدرك الكبير أنه يستحق الراحة، والثاني أنه لا يعيش في سباق، والأوسط أنه مرئي حتى في صمته، والأصغر أنه قادر على الالتزام دون أن يفقد حريته، والخامس أنه لا يحتاج أن يكون مميزًا طوال الوقت ليُحب، عندها فقط نتحرر من الأدوار القديمة ونختار شريكنا بوعي لا بردّ فعلٍ لماضٍ مضى.

فهل يؤثر ترتيبك بين إخوتك على من تختاره شريكًا؟ نعم، إن لم تكن مدركًا له. أما حين تعرف نفسك بعمق، وتفهم جذور شخصيتك، ستكتشف أن الحب الحقيقي لا يعيد تمثيل الطفولة، بل يرممها برفقٍ ووعي.

💭 الحب لا يُولَد من الماضي بل من وعينا به،

ومن عرف نفسه، عرف من يُكملها.

— د. نادية الخالدي 


الخميس، 16 أكتوبر 2025

غيّروا أعتابكم تتغيّر قصصكم بقلم د. نادية خالد الخالدي

الحياة لا تتغيّر حين تتبدّل الأيام أو الوجوه من حولنا، بل حين نبدّل العتبة التي نقف عندها. العتبة ليست باب بيتك، بل باب وعيك، النقطة التي تبدأ منها نظرتك إلى نفسك والعالم. أحيانًا نقف طويلاً عند عتباتٍ أنهكتنا، ننتظر منها حكاية جديدة، لكنها لا تمنحنا سوى التكرار.

كثيرون يعيشون في دوائر مغلقة لا لأن القدر يعاندهم، بل لأنهم يقفون عند نفس الباب كل مرة. يعيدون الخطأ نفسه، بأسلوب مختلف، لأنهم لم يبدّلوا العتبة. من يكرّر المكان ذاته في داخله، سيكرّر الحكاية ذاتها في حياته.

العتبة قد تكون فكرة قديمة نؤمن بها دون أن نراجعها، أو شعورًا بالخوف يمنعنا من التقدّم، أو عادةً فكرية نكررها دون وعي. بعض الأعتاب تقيّدنا أكثر مما تحمينا، وبعضها يغلق علينا النور ونحن نظن أنه الأمان.

تبديل العتبة لا يعني الهرب من الواقع، بل يعني أن نبدّل زاوية النظر إليه. أن نتحرّر من أسلوب التفكير الذي يُعيدنا دائمًا إلى البداية ذاتها. أن نقول: “ربما كنت أحتاج أن أرى الأمور من نافذة أخرى.”

أتذكّر شابًا كان يشتكي أن حياته مليئة بالفشل رغم اجتهاده. وحين بدأنا نناقش طريقته في التفكير، وجد أنه كل مرة يبدأ مشروعًا، يفعل ذلك من باب الخوف من الفقر، لا من باب الرغبة في النجاح. كان يسعى لينجو، لا ليبدع. فكانت كل مشاريعه قصيرة العمر. وحين قرّر أن يبدأ من باب الشغف لا الخوف، تغيّر كل شيء. نجح، لا لأنه وجد فكرة جديدة، بل لأنه غيّر العتبة التي دخل منها.

العتبة ليست مكانًا خارجيًا، إنها طاقة داخلية. حين تغيّر نيتك، تتغيّر النتيجة. حين تغيّر طريقتك في الكلام، تتغيّر طبيعة الحوارات التي تعيشها. حين تغيّر نظرتك للحياة، تتغيّر نوع القصص التي تختبرها.

تخيل أنك تفتح باب بيتك كل صباح، فتجد أمامك الجدار نفسه، الزاوية نفسها، المنظر ذاته. وفي يوم قرّرت أن تفتح باب الشرفة بدلًا من الباب المعتاد. المدينة لم تتبدّل، لكنها بدت مختلفة لأنك نظرت إليها من زاوية أخرى. كذلك هي الحياة، ليست المشكلة في المدينة، بل في العتبة التي اخترت أن تنظر منها.

التغيير لا يحدث بالصدفة، بل بالقرار. الحياة لا تكافئ المكرّرين، بل من يملكون شجاعة التبديل. حين تغيّر العتبة التي تقف عندها، لا تتبدّل الأرض فحسب، بل يتبدّل المعنى كله في داخلك.

تذكّر، قالت د. نادية الخالدي:

“حين تغيّر العتبة التي تقف عليها، لا تتغيّر الأرض فقط، بل تُعاد كتابة قصتك من جديد.”

تحياتي

الخميس، 9 أكتوبر 2025

احذر من أفكارك… واحذر أكثر من كلماتك ✍️ بقلم: د. نادية خالد الخالدي

احذر من أفكارك… واحذر أكثر من كلماتك

✍️ بقلم: د. نادية خالد الخالدي

في حياة الإنسان، لا شيء يبدأ من الخارج، كل ما نراه حولنا هو انعكاس لما بداخلنا. تبدأ الحكاية بفكرة صغيرة، تمر في الذهن كنسمة، ثم تترسخ ببطء حتى تُصبح جزءًا من وعينا، وبعدها تنمو وتتحول إلى كلمة، والكلمة تتحول إلى فعل، والفعل يصبح عادة، والعادة تُكوّن مصيرًا. هكذا، ببساطة وبدون أن نشعر، نصنع حياتنا من أفكارنا، ونوقّع عقود أقدارنا بألسنتنا.

الفكر ليس شيئًا عابرًا كما نتصور، بل هو نواة الطاقة التي تخلق الأحداث. إن الفكرة التي تكرّرها في عقلك ليست مجرد “حديث نفس”، بل هي ترددٌ مستمرٌّ يرسل إشارات إلى الكون، ثم يعود إليك في شكل واقع. تقول “أنا لا أستطيع”، فيصدّقك عقلك، ويغلق أمامك كل الأبواب. تقول “أنا وحيد”، فتتآمر عليك المواقف لتثبت لك أنك حقًا وحيد. والعكس صحيح، حين تهمس لنفسك “أنا أستحق”، يبدأ كل شيء في الكون يتآلف ليُريك أنك فعلًا تستحق.

أخطر ما في الحياة ليس ما نقوله للآخرين، بل ما نقوله لأنفسنا. الكلمات التي تهمس بها في لحظة حزن، أو التي ترددها في الغضب، تُخزن في عقلك الباطن وتتحول إلى أوامر تُنفذ بدقة. العقل لا يعرف المزاح، ولا يفرّق بين الحقيقة والخيال، هو فقط يُطيع ما يسمعه مرارًا. لهذا السبب، احذر من نفسك حين تتحدث دون وعي، فكل جملة تخرج منك، هي بذرة ستنبت يومًا ما في حياتك.

الذين يراقبون أفكارهم يعيشون بوعي، والذين يتركونها فوضى يخلقون لأنفسهم فوضى أكبر. لا أحد يُعاقبك في هذه الحياة أكثر مما تعاقبك أفكارك. كل فكرة سلبية تُضعف من طاقتك، وكل فكرة مشبعة بالخوف تجذب إليك أسباب الخوف. إنك لست ما ترتديه، ولا ما تملكه، أنت ما تفكر به حين تُغلق عينيك في آخر الليل، وتواجه نفسك بصمت. هناك، في تلك اللحظة، تتجلى حقيقتك كاملة، بلا تجميل، بلا أقنعة.

والكلمة… هي ابنة الفكر، لكنها أخطر منه. لأنها حين تُقال، تتحرر من حدودك وتبدأ في التحرك خارجك، تبحث عن طريقها إلى الواقع. كم من إنسان دمّر نفسه بعبارة قالها في لحظة ضعف، وكم من آخر فتح أبواب النجاح بكلمة قالها بثقة. الكلمة طاقة، تُرسلها إلى العالم فتعود إليك في وقت ما، في مكان ما، على هيئة حدثٍ يُشبِهها تمامًا. لهذا، لا تقل ما لا تريد أن تراه، ولا تتحدث عن ألمك كأنه مصير، بل كدرسٍ جاء ليعلّمك.

هناك من يقول إن الإنسان خُلق ليعيش قدره، وأنا أقول إن الإنسان خُلق ليخلق قدره. نحن لا نعيش ما يحدث لنا، بل ما نعتقد أنه سيحدث لنا. والاعتقاد فكرةٌ رُويت بالكلمات حتى أصبحت يقينًا. لهذا، احذر من فكرةٍ تزرعها في قلبك دون وعي، لأنها قد تصبح واقعك القادم. واحذر من كلمةٍ تُلقيها دون انتباه، فقد تكون توقيعًا على عقدٍ مع حياتك المقبلة.

الحياة ليست صعبة كما نظن، نحن فقط نُعقدها بأفكارنا. والكون ليس قاسيًا كما نتخيل، هو فقط مرآة تعكس ما نؤمن به في الداخل. حين تُغيّر فكرتك، يتبدل كل شيء من حولك. حين تقول “أنا بخير” وتؤمن بذلك، ستبدأ الأحداث بالتواطؤ لصالحك. فالقوة لا تكمن في الظروف، بل في اللغة التي نستخدمها حين نصفها.

في النهاية، لست ضحية أحد، أنت فقط ضحية أفكارك التي صدّقتها، وكلماتك التي كررتها حتى أصبحت واقعًا. كن حارسًا على بوابة ذهنك، وكن لطيفًا مع نفسك في حديثك الداخلي. اختر كلماتك كما تختار ملامح مستقبلك، وتحدث كما لو أن الكون يسمعك… لأنه فعلاً يسمعك.

احذر من أفكارك، فهي تصنع طريقك،

واحذر أكثر من كلماتك، فهي تُمهّد له

تحياتي

مقالات أميرة القمر (د.نادية الخالدي )

مافينا إلا العافية

ما فينا إلا العافية د. نادية الخالدي. جملة نرددها كثيرًا، خصوصًا بعد الألم، لكنها تحمل في داخلها أكثر مما يبدو. “ما فينا إلا العافية” ليست إ...