الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

مافينا إلا العافية

ما فينا إلا العافية

د. نادية الخالدي.

جملة نرددها كثيرًا، خصوصًا بعد الألم، لكنها تحمل في داخلها أكثر مما يبدو. “ما فينا إلا العافية” ليست إنكارًا، بل أحيانًا محاولة لتذكير النفس أن الحياة ما زالت تمشي، وأن الجرح وإن كان عميقًا، لم يسلبنا القدرة على الوقوف. العافية هنا لا تعني غياب الوجع، بل حضور الوعي بأننا رغم كل ما فقدناه ما زلنا نحيا، ونتنفس، ونكمل الطريق.

الصدمة لا تبدأ حين يحدث الألم، بل حين يعجز الجسد عن استيعاب ما حدث. هي ليست موقفًا يمرّ، بل طاقة عالقة في الذاكرة والمشاعر، كأن الزمن توقف في لحظة الخوف. يعود الإنسان إلى حياته اليومية، يبتسم، يذهب إلى عمله، لكن شيئًا بداخله ما زال واقفًا عند الحدث ذاته. جهازه العصبي لم يفهم بعد أن الخطر انتهى. ولهذا ترتفع هرمونات التوتر، يتسارع نبضه، ويعيش بين نوبات من الخوف أو الخدر، لا يعرف لها سببًا واضحًا.

في علم النفس، يُقال إن الجسد يتذكر ما ننساه. فحين يتعرض الإنسان لتهديد أو فقد أو خيانة، يُعيد دماغه تشغيل وضع النجاة: القتال، الهروب، أو التجمّد. لذلك ليس غريبًا أن يشعر الشخص بعد الصدمة بأنه ما زال “هناك” حتى بعد مرور الزمن. الحل لا يكون في التجاهل، بل في الاعتراف. الاعتراف ليس ضعفًا، بل أول خطوة نحو الشفاء. حين يقول الإنسان “أنا موجوع”، يبدأ الاتصال الحقيقي بين وعيه وجسده. هذه الجملة وحدها كفيلة بتفعيل مراكز التنظيم العصبي التي كانت خامدة.

الجسد هو الطريق الأول للتعافي، لأنه أول من تأذّى. التنفس البطيء، المشي المنتظم، النوم الكافي، وحتى الاستحمام بماء دافئ، كلها رسائل طمأنة ترسلها للأعصاب، لتخبرها أن الخطر انتهى وأن الأمان عاد. هذه التفاصيل الصغيرة هي بداية استعادة السيطرة على الجسد قبل الذهن. فالجسد لا يشفى بالأفكار، بل بالشعور.

ثم تأتي خطوة تسمية المشاعر بدل مقاومتها. حين نقول لأنفسنا “أنا خائف”، “أنا مجروح”، “أنا مشتاق”، يتراجع النشاط المفرط في مراكز الخوف في الدماغ، ويبدأ الوعي في قيادة التجربة. التسمية تمنح المشاعر شكلًا يمكن التعامل معه، بدل أن تبقى طاقة مبهمة تضغط من الداخل. لذلك من المهم تخصيص وقت يومي للتفريغ: كتابة، صلاة، بكاء، حديث صادق مع النفس. كل ذلك ليس ضعفًا، بل تدريب على الوعي.

الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون هو جلد الذات. نلوم أنفسنا لأننا لم نتصرف كما يجب أو لأننا لم نحْمِ أنفسنا. لكن الصدمة لا تحدث لأننا ضعفاء، بل لأنها تجاوزت قدرتنا على التحمل في تلك اللحظة. الجملة العلاجية الأهم التي يحتاجها كل مصدوم هي: “أنا تعرضت لحدث مؤذٍ، وهذا لا يعني أني ضعيف، بل إنساني.” حين نصدقها، يبدأ التحول.

الدعم في مرحلة الصدمة ضروري، لكنه يحتاج ذكاءً. ليس كل من يحبنا يعرف كيف يسمعنا. أحيانًا نحتاج إلى شخص واحد فقط لا يحكم ولا يقدم نصائح، بل يجلس بجانبنا بصمت حنون. هذا الأمان العاطفي يُعيد بناء الثقة التي تهدمت في داخلنا. وإن لم نجده في دائرة المقربين، فالمختص النفسي هو المكان الآمن الذي يسمح لنا بالتعبير دون خوف أو خجل.

بمرور الوقت، تبدأ مؤشرات التعافي بالظهور: يصبح النوم أعمق، البكاء أقل، الانفعال أهدأ، وتعود الرغبة في الحياة. التعافي لا يعني النسيان، بل أن نعيش دون أن نحمل الماضي في كل خطوة. هو موجات، تتراجع مع الأيام حتى تصير كأنها همس في الخلفية لا يوجع، لكنه يذكّرنا بأننا نجونا.

بعض الناس بعد الصدمة يكتشفون في داخلهم معنى جديدًا للحياة. الأم التي فقدت طفلها تجد رسالتها في دعم الأمهات الأخريات، والرجل الذي خسر عمله يبدأ مشروعًا يحمل رؤيته الخاصة. الألم يتحول إلى حكمة، والوجع يصبح لغة يفهم بها الإنسان نفسه والعالم. هكذا تتحول الصدمة من نقطة انكسار إلى نقطة وعي.

وحتى لو لم يختفِ الوجع تمامًا، فقولنا “ما فينا إلا العافية” يصبح اعترافًا ناضجًا بأننا لم نعد كما كنا، لكننا بخير بما يكفي لنكمل، ونتنفس، ونحب، ونتعلّم. لأن العافية ليست غياب الألم، بل قدرتنا على العيش بسلام معه

تحياتي

الخميس، 23 أكتوبر 2025

حين يختارنا الترتيب قبل أن نختار قلوبنا بقلم: د. نادية الخالدي 🌙

حين يختارنا الترتيب قبل أن نختار قلوبنا

بقلم: د. نادية الخالدي 🌙

هل يمكن أن يكون ترتيبك بين إخوتك هو السبب الخفي وراء طريقتك في الحب، ونظرتك للعلاقات، وحتى فيمن تختاره شريكًا لحياتك؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في علم النفس يفتح بابًا واسعًا نحو فهم الذات. فالأسرة هي أول مختبر عاطفي نعيش فيه، ومن موقعنا بين إخوتنا نتعلم أولى دروس الوجود: كيف نحصل على الاهتمام، وكيف نُحب، وكيف نحافظ على مكاننا في دائرة الحب. الترتيب الولادي، كما فسّره ألفرد أدلر، ليس مجرد رقم عائلي بل تجربة شعورية تُشكِّل الشخصية وتوجّه السلوك والاختيارات.

الطفل الأكبر هو التجربة الأولى لوالديه، يأتي محمّلًا بالتوقعات، محاطًا بالاهتمام في البداية، ثم محروماً من بعضه حين يأتي من بعده. يتعلّم باكرًا معنى المسؤولية والسيطرة على انفعالاته، ويكبر وهو يخلط بين القوة والقبول، بين الأداء والحب. في علاقاته العاطفية يميل لأن يكون الطرف الذي يتحمل أكثر، ويشعر بالحب حين يُحتاج إليه. هو القائد، لكنه أيضًا أكثر من يخشى الفشل، وأكثر من يُخفي ضعفه. كأن الابنة الكبرى التي كانت دائمًا “العاقلة” تجد نفسها زوجة وأمًّا في الوقت نفسه، تعطي دون أن تطلب لأن دورها القديم لم ينتهِ بعد.

أما الطفل الثاني، فيولد ليجد أن البطولة قد سبقته، فيسعى جاهدًا لخلق مساحة تخصه. ينشأ بروحٍ تنافسية وسعيٍ دائم للتميّز، فهو لا يريد أن يكون ظلًا لأحد. في الحب، يبحث عن شريكٍ يراه كما هو، لا كمقارنة مع غيره. يتعب من المقاييس والمقارنات، ويشعر بالراحة مع من يمنحه القبول لا التقييم. ربما يبدو مندفعًا في علاقاته، لكنه في العمق يبحث عن طمأنينة خالية من المنافسة، كمن يسعى أخيرًا لأن يهدأ من سباقٍ بدأه منذ ولادته.

الطفل الأوسط يعيش في المنتصف بين ضوء الكبير ودلال الصغير، فيتعلم الموازنة والتنازل ليحافظ على انسجام العائلة. هو الوسيط الهادئ الذي يرضي الجميع ليبقى موجودًا. يكبر وفي داخله رغبة دفينة أن يُرى وأن يُقدّر. في الزواج، ينجذب إلى من يمنحه الضوء الذي فاته، إلى علاقةٍ يشعر فيها أن وجوده واضح وصوته مسموع. إنه الأكثر تفهمًا عادةً، لكنه أيضًا الأكثر حساسية تجاه الإهمال. رجلٌ أوسط أحبّ امرأة قوية الحضور، لأنها جعلته مرئيًا بعد صمتٍ طويل، لكنه اكتشف لاحقًا أنه ما زال يخاف أن يختفي.

الطفل الأصغر هو الحكاية الملوّنة للعائلة. يولد في بيتٍ مليء بالتجارب، فيُمنح الدلال والرعاية، ويعتاد أن تُزال أمامه العقبات. يكبر بعفوية جميلة، يميل إلى الحرية، ويبحث عن العلاقات التي تمنحه الحنان لا السيطرة. في الحب، يحتاج إلى مساحة ليكون طفلاً أحيانًا، لكنه يهرب حين يشعر أن الالتزام يُخنقه. فتاةٌ هي الأصغر بين إخوتها قالت بعد زواجها من رجلٍ صارم: “أشعر أني عدت طفلة في بيت أبي لا زوجة في بيت حبٍّ جديد.”

أما الطفل الخامس أو الأخير في عائلةٍ كبيرة، فيجد أن كل الأدوار قد شُغلت قبله، فيلجأ إلى التفرّد ليتميّز. يبتكر، ويتفنن، ويحلم. هو المبدع، المتمرّد، والعاطفي إلى حدّ المبالغة. يحتاج أن يُشعر نفسه بأنه مختلف ليحصل على الاعتراف. في علاقاته يميل إلى الرومانسية المفرطة، لكنه قد يهرب من الواقع حين يصطدم به، لأنه نشأ على فكرة أن الحب شعور يُكسب بالإبداع والتميّز. فتاة خامسة بين إخوتها الخمسة اختارت رجلًا بسيطًا لأنها أرادت لأول مرة أن تكون عادية، لا “المميزة”.

هذه الأنماط لا تُصنع صدفة، بل تولد من الديناميات الخفية داخل كل بيت. كل طفل يطوّر أسلوبًا ليبقى محبوبًا: الأكبر عبر المسؤولية، الثاني عبر التحدي، الأوسط عبر المرونة، الأصغر عبر الجاذبية، والخامس عبر الاختلاف. وحين نكبر نحمل هذه الطرق معنا، نكررها في صداقاتنا، في العمل، وفي الزواج. نحن نحب كما تعلمنا أن نُحب، ونسعى لأن نحصل من الشريك على ما لم نحصل عليه من البيت الأول.

لكن الوعي هو ما يحررنا من التكرار. حين يدرك الكبير أنه يستحق الراحة، والثاني أنه لا يعيش في سباق، والأوسط أنه مرئي حتى في صمته، والأصغر أنه قادر على الالتزام دون أن يفقد حريته، والخامس أنه لا يحتاج أن يكون مميزًا طوال الوقت ليُحب، عندها فقط نتحرر من الأدوار القديمة ونختار شريكنا بوعي لا بردّ فعلٍ لماضٍ مضى.

فهل يؤثر ترتيبك بين إخوتك على من تختاره شريكًا؟ نعم، إن لم تكن مدركًا له. أما حين تعرف نفسك بعمق، وتفهم جذور شخصيتك، ستكتشف أن الحب الحقيقي لا يعيد تمثيل الطفولة، بل يرممها برفقٍ ووعي.

💭 الحب لا يُولَد من الماضي بل من وعينا به،

ومن عرف نفسه، عرف من يُكملها.

— د. نادية الخالدي 


الخميس، 16 أكتوبر 2025

غيّروا أعتابكم تتغيّر قصصكم بقلم د. نادية خالد الخالدي

الحياة لا تتغيّر حين تتبدّل الأيام أو الوجوه من حولنا، بل حين نبدّل العتبة التي نقف عندها. العتبة ليست باب بيتك، بل باب وعيك، النقطة التي تبدأ منها نظرتك إلى نفسك والعالم. أحيانًا نقف طويلاً عند عتباتٍ أنهكتنا، ننتظر منها حكاية جديدة، لكنها لا تمنحنا سوى التكرار.

كثيرون يعيشون في دوائر مغلقة لا لأن القدر يعاندهم، بل لأنهم يقفون عند نفس الباب كل مرة. يعيدون الخطأ نفسه، بأسلوب مختلف، لأنهم لم يبدّلوا العتبة. من يكرّر المكان ذاته في داخله، سيكرّر الحكاية ذاتها في حياته.

العتبة قد تكون فكرة قديمة نؤمن بها دون أن نراجعها، أو شعورًا بالخوف يمنعنا من التقدّم، أو عادةً فكرية نكررها دون وعي. بعض الأعتاب تقيّدنا أكثر مما تحمينا، وبعضها يغلق علينا النور ونحن نظن أنه الأمان.

تبديل العتبة لا يعني الهرب من الواقع، بل يعني أن نبدّل زاوية النظر إليه. أن نتحرّر من أسلوب التفكير الذي يُعيدنا دائمًا إلى البداية ذاتها. أن نقول: “ربما كنت أحتاج أن أرى الأمور من نافذة أخرى.”

أتذكّر شابًا كان يشتكي أن حياته مليئة بالفشل رغم اجتهاده. وحين بدأنا نناقش طريقته في التفكير، وجد أنه كل مرة يبدأ مشروعًا، يفعل ذلك من باب الخوف من الفقر، لا من باب الرغبة في النجاح. كان يسعى لينجو، لا ليبدع. فكانت كل مشاريعه قصيرة العمر. وحين قرّر أن يبدأ من باب الشغف لا الخوف، تغيّر كل شيء. نجح، لا لأنه وجد فكرة جديدة، بل لأنه غيّر العتبة التي دخل منها.

العتبة ليست مكانًا خارجيًا، إنها طاقة داخلية. حين تغيّر نيتك، تتغيّر النتيجة. حين تغيّر طريقتك في الكلام، تتغيّر طبيعة الحوارات التي تعيشها. حين تغيّر نظرتك للحياة، تتغيّر نوع القصص التي تختبرها.

تخيل أنك تفتح باب بيتك كل صباح، فتجد أمامك الجدار نفسه، الزاوية نفسها، المنظر ذاته. وفي يوم قرّرت أن تفتح باب الشرفة بدلًا من الباب المعتاد. المدينة لم تتبدّل، لكنها بدت مختلفة لأنك نظرت إليها من زاوية أخرى. كذلك هي الحياة، ليست المشكلة في المدينة، بل في العتبة التي اخترت أن تنظر منها.

التغيير لا يحدث بالصدفة، بل بالقرار. الحياة لا تكافئ المكرّرين، بل من يملكون شجاعة التبديل. حين تغيّر العتبة التي تقف عندها، لا تتبدّل الأرض فحسب، بل يتبدّل المعنى كله في داخلك.

تذكّر، قالت د. نادية الخالدي:

“حين تغيّر العتبة التي تقف عليها، لا تتغيّر الأرض فقط، بل تُعاد كتابة قصتك من جديد.”

تحياتي

الخميس، 9 أكتوبر 2025

احذر من أفكارك… واحذر أكثر من كلماتك ✍️ بقلم: د. نادية خالد الخالدي

احذر من أفكارك… واحذر أكثر من كلماتك

✍️ بقلم: د. نادية خالد الخالدي

في حياة الإنسان، لا شيء يبدأ من الخارج، كل ما نراه حولنا هو انعكاس لما بداخلنا. تبدأ الحكاية بفكرة صغيرة، تمر في الذهن كنسمة، ثم تترسخ ببطء حتى تُصبح جزءًا من وعينا، وبعدها تنمو وتتحول إلى كلمة، والكلمة تتحول إلى فعل، والفعل يصبح عادة، والعادة تُكوّن مصيرًا. هكذا، ببساطة وبدون أن نشعر، نصنع حياتنا من أفكارنا، ونوقّع عقود أقدارنا بألسنتنا.

الفكر ليس شيئًا عابرًا كما نتصور، بل هو نواة الطاقة التي تخلق الأحداث. إن الفكرة التي تكرّرها في عقلك ليست مجرد “حديث نفس”، بل هي ترددٌ مستمرٌّ يرسل إشارات إلى الكون، ثم يعود إليك في شكل واقع. تقول “أنا لا أستطيع”، فيصدّقك عقلك، ويغلق أمامك كل الأبواب. تقول “أنا وحيد”، فتتآمر عليك المواقف لتثبت لك أنك حقًا وحيد. والعكس صحيح، حين تهمس لنفسك “أنا أستحق”، يبدأ كل شيء في الكون يتآلف ليُريك أنك فعلًا تستحق.

أخطر ما في الحياة ليس ما نقوله للآخرين، بل ما نقوله لأنفسنا. الكلمات التي تهمس بها في لحظة حزن، أو التي ترددها في الغضب، تُخزن في عقلك الباطن وتتحول إلى أوامر تُنفذ بدقة. العقل لا يعرف المزاح، ولا يفرّق بين الحقيقة والخيال، هو فقط يُطيع ما يسمعه مرارًا. لهذا السبب، احذر من نفسك حين تتحدث دون وعي، فكل جملة تخرج منك، هي بذرة ستنبت يومًا ما في حياتك.

الذين يراقبون أفكارهم يعيشون بوعي، والذين يتركونها فوضى يخلقون لأنفسهم فوضى أكبر. لا أحد يُعاقبك في هذه الحياة أكثر مما تعاقبك أفكارك. كل فكرة سلبية تُضعف من طاقتك، وكل فكرة مشبعة بالخوف تجذب إليك أسباب الخوف. إنك لست ما ترتديه، ولا ما تملكه، أنت ما تفكر به حين تُغلق عينيك في آخر الليل، وتواجه نفسك بصمت. هناك، في تلك اللحظة، تتجلى حقيقتك كاملة، بلا تجميل، بلا أقنعة.

والكلمة… هي ابنة الفكر، لكنها أخطر منه. لأنها حين تُقال، تتحرر من حدودك وتبدأ في التحرك خارجك، تبحث عن طريقها إلى الواقع. كم من إنسان دمّر نفسه بعبارة قالها في لحظة ضعف، وكم من آخر فتح أبواب النجاح بكلمة قالها بثقة. الكلمة طاقة، تُرسلها إلى العالم فتعود إليك في وقت ما، في مكان ما، على هيئة حدثٍ يُشبِهها تمامًا. لهذا، لا تقل ما لا تريد أن تراه، ولا تتحدث عن ألمك كأنه مصير، بل كدرسٍ جاء ليعلّمك.

هناك من يقول إن الإنسان خُلق ليعيش قدره، وأنا أقول إن الإنسان خُلق ليخلق قدره. نحن لا نعيش ما يحدث لنا، بل ما نعتقد أنه سيحدث لنا. والاعتقاد فكرةٌ رُويت بالكلمات حتى أصبحت يقينًا. لهذا، احذر من فكرةٍ تزرعها في قلبك دون وعي، لأنها قد تصبح واقعك القادم. واحذر من كلمةٍ تُلقيها دون انتباه، فقد تكون توقيعًا على عقدٍ مع حياتك المقبلة.

الحياة ليست صعبة كما نظن، نحن فقط نُعقدها بأفكارنا. والكون ليس قاسيًا كما نتخيل، هو فقط مرآة تعكس ما نؤمن به في الداخل. حين تُغيّر فكرتك، يتبدل كل شيء من حولك. حين تقول “أنا بخير” وتؤمن بذلك، ستبدأ الأحداث بالتواطؤ لصالحك. فالقوة لا تكمن في الظروف، بل في اللغة التي نستخدمها حين نصفها.

في النهاية، لست ضحية أحد، أنت فقط ضحية أفكارك التي صدّقتها، وكلماتك التي كررتها حتى أصبحت واقعًا. كن حارسًا على بوابة ذهنك، وكن لطيفًا مع نفسك في حديثك الداخلي. اختر كلماتك كما تختار ملامح مستقبلك، وتحدث كما لو أن الكون يسمعك… لأنه فعلاً يسمعك.

احذر من أفكارك، فهي تصنع طريقك،

واحذر أكثر من كلماتك، فهي تُمهّد له

تحياتي

الاثنين، 3 مارس 2025

صوموا عن الحسد بقلم: د. نادية الخالدي


حين نتحدث عن الصيام، فإن أول ما يخطر ببالنا هو الامتناع عن الطعام والشراب، لكن ماذا لو كان هناك نوع آخر من الصيام؟ نوع لا يتعلق بالمعدة، بل بالقلب، لا يقيّد الجسد، بل يحرر الروح. إنه الصيام عن الحسد، ذاك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى النفوس، فيسرق منها الطمأنينة، ويحوّل الأعين إلى نوافذ مفتوحة على حياة الآخرين، بدلًا من أن تكون مرايا تعكس جمال الحياة التي نعيشها.

الحسد ليس مجرد إحساس عابر، بل حالة ذهنية وسلوكية تجعل الإنسان أسير المقارنة، دائم النظر إلى ما في أيدي غيره، وكأن السعادة ملكٌ للآخرين فقط. فتراه يتساءل: لماذا لديهم ما لا أملك؟ لماذا ينجحون بينما أتعثر؟ لماذا تُفتح لهم الأبواب بينما أوصدت في وجهي؟ أسئلة متكررة، لكنها لا تحمل إجابة، بل تترك صاحبها غارقًا في الغضب والامتعاض، مستنزفًا طاقته في الشعور بالنقص بدلًا من السعي للنمو.

في علم النفس، يُفسَّر الحسد على أنه نتيجة مباشرة لعدم الرضا عن الذات، حيث ينشغل الشخص بما ينقصه بدلًا من التركيز على تطوير إمكانياته. الإنسان الواثق بنفسه لا يجد سببًا ليحسد، فهو يعلم أن لكل شخص رزقه المكتوب، ونصيبه الذي لن يأخذه غيره. لكن من يفتقد الثقة يعيش في دوامة من الندرة، يظن أن الخير محدود، وأن حصول الآخرين عليه يعني حرمانه منه.

لكن، ماذا لو جرّبنا أن نصوم عن هذا الشعور؟ ماذا لو قررنا، ولو ليوم واحد، أن نتوقف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين، أن نُغمض أعيننا عن حياتهم، ونفتحها على ما لدينا؟ سنجد أننا نملك الكثير، لكننا لم ننتبه له، لأننا كنا مشغولين بتعداد نعم غيرنا. سنكتشف أن الامتنان دواء لكل قلب أنهكه الحسد، وأن استبدال الغيرة بالإعجاب يجعلنا نرى في نجاح الآخرين إلهامًا بدلًا من أن نراه تهديدًا.

الصيام عن الحسد ليس مجرد امتناع عن الشعور به، بل هو إعادة برمجة لعقولنا وقلوبنا. هو أن ندعو لمن نرى عنده نعمة بأن يبارك الله له فيها، وأن نطلب لأنفسنا من فضله بدلًا من أن نتمنى زوال الخير عن غيرنا. هو أن نؤمن أن الحياة ليست سباقًا للفوز بأكبر قدر من المتع، بل اختبارٌ لما نفعله بما نملك، ودرسٌ يعلمنا أن الرضا هو مفتاح السعادة الحقيقي.

جربوا هذا الصيام، وستجدون أنفسكم أخفّ، أرواحكم أصفى، وقلوبكم أكثر امتلاءً بالسلام. لأن الحرية الحقيقية ليست في الامتناع عن الطعام، بل في التحرر من المشاعر التي تسرق منا فرحة العيش. تحياتي

الأربعاء، 20 نوفمبر 2024

الحب والتعود: حدود الشعور ومفارقات العلاقة بقلم: د. نادية الخالدي


في زحمة الحياة وتفاصيلها اليومية، قد نجد أنفسنا نتساءل: هل ما نعيشه مع شركائنا هو حب حقيقي أم مجرد تعود؟ هذا السؤال لا ينشأ من فراغ، بل من لحظات الصمت الطويلة بين الأزواج أو من ذلك الروتين الذي يسلب العلاقات بريقها. بين الحب والتعود، هناك خيط رفيع قد يلتبس علينا، ولكن فهم هذا الفرق يمكن أن يحدث ثورة في علاقتنا مع الآخرين.

في بداية الرحلة يبدأ الحب بشغفه وسحره
كيف؟
الحب يبدأ عادة بشغف كبير. تلك المرحلة التي تُعرف بمرحلة “الطاقة العالية”، حيث تكون المشاعر مشتعلة، والإثارة تبلغ ذروتها. خلال هذه الفترة، يفرز الدماغ الدوبامين بكثافة، مما يجعل كل لقاء مع الحبيب يشبه جرعة من السعادة النقية.

لكن الحب ليس مجرد عاطفة عابرة؛ هو حالة مستمرة من الاهتمام، التقدير، والرغبة في النمو المشترك. في الحب، لا يتعلق الأمر فقط بمشاركة اللحظات الجميلة، بل أيضًا بالقدرة على مواجهة التحديات معًا.

ولكن ماذا يحدث حين يصبح الحب عادة: ويتم دخول التعود

بمرور الوقت، قد يتحول الحب إلى نمط حياة روتيني. هنا يأتي دور التعود. التعود ليس أمرًا سلبيًا بحد ذاته؛ فهو يوفر الاستقرار والراحة النفسية. إنه ذلك الشعور بالطمأنينة عندما تعرف أن هناك من سيقف بجانبك في نهاية يوم طويل.

لكن التعود، إن لم يُرافقه تجديد، قد يُفقد العلاقة جوهرها. فجأةً، تصبح اللقاءات أقل إثارة، والكلمات أقل دفئًا. يتسلل الملل، ويتساءل أحد الأطراف أو كلاهما: هل لا زلت أحب شريكي أم أنني اعتدت فقط على وجوده؟

ويحدث هنا استفهام مهم هل الحب والتعود: وجهان لعملة واحدة؟

الاجابة 
يمكن أن نرى الحب والتعود كطرفين لنفس العملة، لكنهما ليسا متطابقين. الحب يبني العلاقة على أساس المشاعر العميقة والارتباط العاطفي، بينما التعود يضيف لها عنصر الاستقرار والروتين.

يشتركان في
الدافع والرغبة في البقاء مع الشريك و الاعتياد على وجوده
ويختلفان في كون الحب دهشة ومتعة ومشاعر متطوره والتعود سكون وهدوء وملل أحيانا 
لذلك الحب، أجمل وأعمق وأصدق من التعود 
يبقى السؤال الآن كيف نحافظ على الحب وسط التعود؟

التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على الحب حيًا في قلب التعود. إليك بعض الخطوات التي قد تساعد في تحقيق ذلك:
1. إعادة اكتشاف الشريك: مع مرور الوقت، قد نظن أننا نعرف كل شيء عن شريك حياتنا، لكن الحقيقة أن البشر يتغيرون باستمرار. اسأل شريكك عن أحلامه الجديدة، مخاوفه، أو حتى عن أفكاره حول مواضيع لم تناقشاها من قبل.
2. التجديد في العلاقة: احرصوا على تجربة أشياء جديدة معًا، سواء كان ذلك من خلال السفر، تعلم مهارات جديدة، أو حتى إعادة إحياء طقوس خاصة كانت موجودة في بداية العلاقة.
3. التواصل المستمر: لا تتركوا الأيام تمر دون أن تعبروا عن حبكم وتقديركم. الكلمات البسيطة يمكنها أن تجدد الشعور بالارتباط.
4. تقدير اللحظات الصغيرة: الحب لا يعيش فقط في اللحظات الكبيرة، بل في التفاصيل الصغيرة. فنجان قهوة مشترك في الصباح، أو حضن دافئ في نهاية اليوم، يمكن أن يحمل معاني عميقة.

في حال عدم تطبيق ما سبق انتبه عزيزي القاريء عندما يتحول التعود إلى خطر

في بعض الحالات، قد يصبح التعود خطرًا إذا تم تجاهله. إذا استمر الطرفان في البقاء معًا فقط لأنهما معتادان على ذلك، دون وجود حب حقيقي، فقد يؤدي ذلك إلى الشعور بالفراغ العاطفي أو حتى الانفصال العاطفي. هنا تظهر أهمية إعادة تقييم العلاقة بشكل دوري.

الخلاصة: التوازن هو المفتاح

الحب والتعود ليسا خصمين، بل شريكين في بناء علاقة متينة ومستدامة. الحب يضيف الشغف والمعنى، بينما التعود يوفر الراحة والاستقرار. التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا التوازن، بحيث تبقى العلاقة نابضة بالحياة رغم مرور السنين.

تحياتي 
د. نادية الخالدي
#دكتورة_نادية_الخالدي
للاستشارات: 95598119 - 57777685
الموقع الإلكتروني: drnadiaalkhaldi.com

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2024

أنا آكل وأشرب”: درس بسيط وأثر نفسي عميق على جيل الثمانينات بقلم د. نادية الخالدي

“أنا آكل وأشرب”: درس بسيط وأثر نفسي عميق على جيل الثمانينات
بقلم د. نادية الخالدي 

حين نتحدث عن ذكريات المدرسة لجيل الثمانينات، نجد أن أول درس في اللغة العربية - “أنا آكل وأشرب” - كانت جزءًا لا يتجزأ من تلك الحقبة الزمنية التي رافقت الكثيرين كذكرى لا تنسى من حياتهم . لكن يبدو أن هذا الدرس، رغم بساطته، قد ترك أثراً نفسياً عميقاً على مواليد الثمانينات، الذين باتوا اليوم يعيشون حياة مليئة بالتحديات، ولا زالوا يرددون “أنا آكل وأشرب” في داخلهم بطرق مختلفة.

“هذا الدرس يلخص: فلسفة البقاء البسيط

في البداية، كان “أنا آكل وأشرب” درساً بسيطاً يُعَرِّف الصغار بأول خطوات اللغة، لكن اليوم أصبحت فكرة فلسفية راسخة في عقولهم. الرسالة واضحة: نحن هنا لأبسط الحاجات. وهي الأكل والشرب. قد تبدو الفكرة سطحية، لكن في باطنها عمق يعلّمنا شيئً مهم جداً أننا بحاجة للبساطة.في كل شيء البساطة في بالفعل. والبساطه في ردت الفعل والبساطه بالعيش والبساطه في طلب الحاجة والبعض ايضا اخذها بالبساطه في الطموح والتطلعات  ورغم كل تلك الجمل البسيطة ذات القيم العالية. اهم قيمة بكل هذا  بأن الحياة ليست معقدة كما نعتقد، وأننا، في النهاية، نحتاج فقط إلى الأساسيات.

ولان ما سبق صار جزءاً من تركيبتهم النفسية. أجيال الثمانينات، بفضل هذا الدرس، اعتادوا على تقدير التفاصيل الصغيرة في الحياة. لذا نجدهم غالباً في جلسات استرخاء، يرددون: “أهم شي، نأكل ونشرب ونعيش بسلام”. هذا الانطباع البسيط خلق لديهم ميلاً فطرياً نحو التمسك بالبديهيات والتركيز على الأشياء البسيطة كوسيلة للتغلب على التعقيدات.

لكن ماذا حدث عندما كبر جيل الثمانينات؟ بدأت الصعوبات والمسؤوليات تتزايد، ووجدوا أنفسهم في سباق مستمر مع متطلبات الحياة. كلما ازدادت التحديات والمسؤوليات،  فزاد القلق لديهم. وصراع حياة البساطه والحياة المعقده. وكل ما تعقدت الامور عندهم.وجدوا ملاذهم في درس “أنا آكل وأشرب” كوسيلة للترويح عن انفسهم، وكأنه ملاذ للهروب من الضغوط. هذه العبارة أصبحت شعاراً لكل موظف يقول لنفسه في يوم عمل طويل: “كل هذا عشان آكل وأشرب؟”.  كل هذه التحديات لهذا الامر  ما. المعنى من كل ذلك. وهنا وقع البعض في عالم الاكتئاب نتيجة الصراع بين التعقيد والبساطه والرغبة العالية وعدم القدرة على تطوير الامكانيات وهكذا، تحول الدرس البسيط إلى تذكير ساخر بأن الحياة مليئة بالتعقيدات، رغم أن احتياجاتنا الأساسية لم تتغير.
ولكن انتصر المفهوم اخيرا. على كل ذلك حيث أنَّ
بمرور الزمن، أدرك جيل الثمانينات أن مفهوم “أنا آكل وأشرب” هو دعوة للاستمتاع باللحظة وتقدير البساطة. وسط زحمة الحياة ومتطلباتها، أصبح هذا الدرس البسيط بمثابة نصيحة ثمينة تدعوهم للابتعاد عن المبالغات. فقد وجدوا في هذه العبارة دعوة إلى التوازن، والعودة إلى الذات، والبحث عن السلام الداخلي من خلال تقدير الأساسيات. فمن الجميل أن يكون لدى المرء ما يذكّره بأن الحياة ليست دائماً بحاجة إلى تعقيد، وأن السعادة قد تكمن في كوب قهوة دافئ أو وجبة شهية.
ونجدهم احرص جيل على التأمل والراحة والاستمتاع وحتى لقبوا بالجيل الذي لا يكبر مع التقدم بالعمر. ويزداد جمالا  ايضا في رحلة التقدم هذه 
اعرف ان إلى 
اليوم أنَّ جيل الثمانينات يتذكر “أنا آكل وأشرب” بشيء من الحنين، وربما بشيء من السخرية أيضًا. هذا الدرس البسيط علّمهم أن السعادة في أحيان كثيرة تأتي من الأشياء البسيطة، وأن الحياة قد تكون معقدة، لكن احتياجاتهم الأساسية - “الأكل والشرب” -ورغم ان الجملة هذه  درساً طفولياً، لكنها اليوم، بالنسبة لجيل الثمانينات، تمثل فلسفة كاملة: أنَّ بساطة الحياة وقيمتها الحقيقية في أبسط الأشياء.

وأخيراً  بختام ساخر محد ربح المطاعم كثر جيل أنا آكل وأشرب  
تحياتي

مقالات أميرة القمر (د.نادية الخالدي )

مافينا إلا العافية

ما فينا إلا العافية د. نادية الخالدي. جملة نرددها كثيرًا، خصوصًا بعد الألم، لكنها تحمل في داخلها أكثر مما يبدو. “ما فينا إلا العافية” ليست إ...