حين نتحدث عن الصيام، فإن أول ما يخطر ببالنا هو الامتناع عن الطعام والشراب، لكن ماذا لو كان هناك نوع آخر من الصيام؟ نوع لا يتعلق بالمعدة، بل بالقلب، لا يقيّد الجسد، بل يحرر الروح. إنه الصيام عن الحسد، ذاك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى النفوس، فيسرق منها الطمأنينة، ويحوّل الأعين إلى نوافذ مفتوحة على حياة الآخرين، بدلًا من أن تكون مرايا تعكس جمال الحياة التي نعيشها.
الحسد ليس مجرد إحساس عابر، بل حالة ذهنية وسلوكية تجعل الإنسان أسير المقارنة، دائم النظر إلى ما في أيدي غيره، وكأن السعادة ملكٌ للآخرين فقط. فتراه يتساءل: لماذا لديهم ما لا أملك؟ لماذا ينجحون بينما أتعثر؟ لماذا تُفتح لهم الأبواب بينما أوصدت في وجهي؟ أسئلة متكررة، لكنها لا تحمل إجابة، بل تترك صاحبها غارقًا في الغضب والامتعاض، مستنزفًا طاقته في الشعور بالنقص بدلًا من السعي للنمو.
في علم النفس، يُفسَّر الحسد على أنه نتيجة مباشرة لعدم الرضا عن الذات، حيث ينشغل الشخص بما ينقصه بدلًا من التركيز على تطوير إمكانياته. الإنسان الواثق بنفسه لا يجد سببًا ليحسد، فهو يعلم أن لكل شخص رزقه المكتوب، ونصيبه الذي لن يأخذه غيره. لكن من يفتقد الثقة يعيش في دوامة من الندرة، يظن أن الخير محدود، وأن حصول الآخرين عليه يعني حرمانه منه.
لكن، ماذا لو جرّبنا أن نصوم عن هذا الشعور؟ ماذا لو قررنا، ولو ليوم واحد، أن نتوقف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين، أن نُغمض أعيننا عن حياتهم، ونفتحها على ما لدينا؟ سنجد أننا نملك الكثير، لكننا لم ننتبه له، لأننا كنا مشغولين بتعداد نعم غيرنا. سنكتشف أن الامتنان دواء لكل قلب أنهكه الحسد، وأن استبدال الغيرة بالإعجاب يجعلنا نرى في نجاح الآخرين إلهامًا بدلًا من أن نراه تهديدًا.
الصيام عن الحسد ليس مجرد امتناع عن الشعور به، بل هو إعادة برمجة لعقولنا وقلوبنا. هو أن ندعو لمن نرى عنده نعمة بأن يبارك الله له فيها، وأن نطلب لأنفسنا من فضله بدلًا من أن نتمنى زوال الخير عن غيرنا. هو أن نؤمن أن الحياة ليست سباقًا للفوز بأكبر قدر من المتع، بل اختبارٌ لما نفعله بما نملك، ودرسٌ يعلمنا أن الرضا هو مفتاح السعادة الحقيقي.
جربوا هذا الصيام، وستجدون أنفسكم أخفّ، أرواحكم أصفى، وقلوبكم أكثر امتلاءً بالسلام. لأن الحرية الحقيقية ليست في الامتناع عن الطعام، بل في التحرر من المشاعر التي تسرق منا فرحة العيش. تحياتي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق